رسالة من الرئيس التنفيذي

اجتماع على المحبة

المحبة هي جوهر سر الوجود، وقمة الحقيقة، تحيط بالجميع، وهي الأساس الذي يبنى عليه الواقع،وعندما تكلم دانتي عن المحبة وقال: "إن المحبة هي التي تحرك الشمس والنجوم" لم يستخدمها كمجاز تعبيري وإنما كان يصف طبيعة الواقع.
وقد أدرك القدامى أهمية المحبة فنقشوا هذه العبارة التنويرية على منحوتة أبو الهول التي تقول:"المحبة هي سر الحياة". أيضا نجد في مدخل الصخرة الكبيرة قرب دير بيترايا عبارة تقول:"إن لمسة الوجود تغذيها المحبة"، كما نجد فيكتور هيوغو يوصي حفيده في خطابه الوداعي الأخير فيقول:"المحبة، إبحث عنها دائما لأنها تجعلك رجل أفضل، عليك أن تحب دائما يا بني وعليك أن تحب بأفضل الطرق طوال حياتك".
فإذا كنت تريد أن تضيف السحر لحياتك، تخلص من مواقفك ومعتقداتك القديمة، وارمي بها بعيدا في البحر، فالمحبة هي قانون المعجزات البشرية الأهم، إذ لا ترى من خلالها أي فرق بين النملة والملاك، وفيها تنظر إلى المحيط وليس إلى الأمواج، ونحن جميعا جزءا من هذا الكل.
إن روح المحبة التي تعتنق الكون هي نتاج فهم حقيقة أن جميع الكائنات الحية والجمادات بدءا من الإنسان إلى دودة الأرض إنتهاءا بالحجارة تخضع لنفس قوانين الكون وشروط الوجود.
إن في الوجود رغبة لا محدودة في وهب نفسها في المحبة وإن وهب النفس في المحبة هو الإجابة التي تعود بالمحبة، وفي بحث المحبة عن ذاتها، و خسارتها لذاتها، وفي عثورها على ذاتها، وحتى في عودتها لذاتها ووهبها لنفسها مجددا في المحبة، يتشكل النمط الأبدي للكون. 
إن كل مخلوق يرجع إلى الوجود كاستجابة لتسيير المحبة، وفي نفس الوقت بوهب نفسه في المحبة وخضوعه لجاذبيتها، وبذلك يتشكل إيقاع الكون على لحن واحد.
فالإلكترونات في دورانها حول نواة الذرة تخضع لجاذبية المحبة، والشمس بكواكبها الدوارة تخضع أيضا لنفس الجاذبية، تماما مثل حب الجنسين، فالرجل يميل في المحبة إلى وهب نفسه لإمرأته، كما المرأة تميل في المحبة إلى وهب نفسها لرجلها، وهناك رقص دائم للمحبة، يروح ويجيئ باستمراروفي نهاية المطاف تعود المحبة بوهب نفسها لتكون صيغة هنا وتشكيل هناك، فتبني الكون بما فيه من نجوم وذرات وخلايا حية ، ثم يرجع كل شيء إلى نفسه، ثم إلى حيز الوجود الإلهي.

ماهي المحبة ؟

المحبة هي رغبة الفرد العميقة في أن يكون جزءا من الكل، وهي أيضا الرغبة العميقة التي تذيب الفرد وكل من على الأرض ليشكلوا وحدة واحدة، إنها كذلك لأننا جميعا نعيش بمعزل عن مصدروجودنا، ومن هذه العزلة تنبع رغبتنا في التوحد مع الكل لنصبح جميعا واحد، فلو اقتلعت شجرة من تربتها واستأصلتها من جذورها، ستتولد عند الشجرة رغبة عظيمة بأن تعود إلى موطنها وتربتها التي عاشت فيها حياتها الحقيقية، وإلا فمصيرها الموت، فبالعزل لا يمكن للشجرة أن تعيش لأن مكانها هو الأرض الذي تنتمي إليه وتعيش فيه ومعه، وهذا هو معنى المحبة.
وإن حب الذات (الأنا) هو الحاجز الذي يعزلنا عن الأرض (الكل)، فنشعر بالإختناق وعدم القدرة على التنفس ونفقد أصلنا وجذورنا فلا يتبقى لنا شيء يغذينا، ولكن المحبة هي التي تشعل فينا الرغبة في العيش وتثبيت جذورنا في هذا الوجود.
علينا جميعا أن ندرك هذا المفهوم، وهو أنه لايمكنك أن تتحد وتثبت جذورك مع العالم أجمع إلا إذا أذبت نفسك فيه، لتصبح المحبة بعد ذلك طريقك الملكي لمرحلة التنوير(النيرفانا). وعلينا أن نسعى لما وراء وجودنا العقلي والجسدي لنكتشف وجودنا الروحي وأرضنا الأبدية التي يكمن فيها سر المحبة، فالعطاء هوالمكون الرئيسي للمحبة، فامنح نفسك للعالم بصدق وعمق، وقد اعتاد غردجيف أن يقول:"كل ما أعطيت يبقى معي، وكل ما اكتنزه يضيع، وكل ما وهبته لي"، وهذا حقيقي، فإنه يبقى معك ما تشارك به الآخرين، فالمحبة ليست سلعة نحتفظ بها لأنفسنا، بل إنها كالشعاع والعطر الذي نتقاسم شذاه. كل شيء جميل متاح لك فلا تحتفظ به، بل شارك الآخرين حكمتك، وصلاتك، وحبك، وسعادتك وفرحك، نعم شاركهم وإذا لم تجد إنسانا تشاركه فشارك الحيوانات والنباتات وحتى الصخور، ولكن شارك.
يعطي الناس على مضض شديد، وإذا أعطوا فإنهم يفعلون ذلك لمجرد الحصول على مقابل، إنها المصلحة ،ولكن المحبة ليست كذلك، والوجود لا يعرف المصلحة، فالشجرة تزهر بدون مقابل، والنجوم تتلألأ في السماء بدون مقابل وبدون أن تنتظر منك معروفا، كذلك العصافير تأتي إلى بابك لتغني لك أجمل الألحان، والزهور تتفتح لتنثرلك عبقها الفواح وكل ذلك بدون مقابل، فالكون ببساطة يعيش بالمشاركة، لذا دع المحبة تنشر عبقها في الوجود حتى إذا لامست صخرة أغرقتها بالمحبة بغض النظر لمن، فحالة المحبة لا عنوان لها.
وعندما تكون في حالة حب مع الحياة ،لاتشعر معها بأن المحبة مملة أو لاروح فيها، فالمحبة تجعلك كالروح على نجمة متلألأه، وكل ما هو عادي يصبح أجمل بألف مرة ومحبوبا للنفس.
وعلينا أن نفيض بالمحبة، فنعانق القريب والبعيد، الجميل والقبيح، الخاطئ والفاضل على حد سواء، وإذا لم تكمل نفسك وتبلغ هذا الموقف الصحيح، فإن كل محاولاتك ستكون عقيمة وستفشل.
فالمحبة زهرة رقيقة، لابد من رعايتها وحمايتها وسقايتها بالماء لتعزيزها حتى تصبح قوية، فالمحبة تنمو فقط بالمحبة.
إن قلب الرجل كالآلة الموسيقية، قد يغفو ولكنه دائما هنا بانتظار اللحظة المناسبة للخروج والتعبير عن ذاته، حتى يتغنى الكون به ويرقص على نغماته، وهكذا من خلال المحبة تأتي هذه اللحظة، فالمرء لايمكنه أن يتعرف على الموسيقى الكامنة في قلبه من دون المحبة التي وحدها تستطيع أن توقظ هذه الموسيقى وتطلقها إلى الحياة، فتتحول البدايات إلى حقائق.
إن المحبة هي البداية لكل إجراء، وهي العامل المحفز، فإذا لم تطلق موسيقاك الكامنة فهي ليست بمحبة، وإن المعيارالذي من خلاله نستطيع أن نتعرف على المحبة هوأن تفيض الموسيقى من خلالك، فتشعر فجأة بتناغم عميق فلا يعود هناك تنافر بل انسجام تام، وتبدأ الحياة تأخذ منحنى جديد تغلب عليه البهجة والفرح والسرور.
 

الرئيس التنفيذي